محمد متولي الشعراوي

1273

تفسير الشعراوي

إذن فبعد ما صورنا في الأرحام كيف يشاء على مقتضى حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم ، بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم ، ولا بد أن نأخذ الشئ بجوار الحكمة منه ، وإذا أخذنا الشئ بجوار الحكمة منه يوجد كل أمر مستقيما كله جميل وكله خير . فيقول سبحانه : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ » . ماذا يعنى الحق بقوله : « آياتٌ مُحْكَماتٌ » ؟ إن الشئ المحكم هو الذي لا يتسرب إليه خلل ولا فساد في الفهم ؛ لأنه محكم ، وهذه الآيات المحكمة هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس ، فعندما يقول : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ( من الآية 38 سورة المائدة ) هذه آية تتضمن حكما واضحا . وهو سبحانه يقول : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما ( من الآية 2 سورة النور ) هذه أيضا أمور واضحة ، هذا هو المحكم من الآيات ، فالمحكم هو ما لا تختلف فيه الأفهام ؛ لأن النص فيه واضح وصريح لا يحتمل سواه ، و « المتشابه » هو الذي نتعب في فهم المراد منه ، وما دمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا أنزله ؟ ويوضح لنا سبحانه - كما قلت لك - خذ الشئ مع حكمته كي تعرف لماذا نزل ؟ فالمحكم جاء للأحكام المطلوبة من الخلق ، أي افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، وما دامت أفعالا مطلوبة من الخلق فالذي فعلها يثاب عليها ، والذي لم يفعلها يعاقب ، إذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب ، فيأتي بها في صورة واضحة ، وإلا لقال واحد : « أنا لم أفهم » ، إن الأحكام تقول لك : « افعل كذا ولا تفعل كذا » فهي حين تقول : « افعل » ؛ أنت صالح ألا تفعل ، فلو كنت مخلوقا على أنك تفعل فقط ؛ لا يقول لك : افعل ، لكن لأنك صالح أن تفعل وألا تفعل فهو يقول لك : « افعل » .